عمانوئيل دلي فتح ملف الخيانة بنفسه.. الملف الذي مزّق
الهوية الآشورية
بقلم : أديب إيشو
لم أعد أتوقع وفي متابعتي لوسائل الاعلام الآشورية، بأن أقرأ ما يسر الخاطر
أو ما يدعو للتفاؤل. وذلك لسبب، لا أعتبره ثانوياً، وهو ان أغلب صانعي القرار
الآشوري ـ إذا ما كان هناك قرار آشوري أصلاً ـ قد ابتعدوا في خطاهم، إذا ما كان
هناك خطوات اصلاً، عن النواة الحقيقية والحاضنة لجوهر اي عمل سياسي آشوري
والمتمثلة بالقضية الآشورية. فهذه القضية وبعد ان تم تجميدها من قبل المجتمع
الدولي، أكمل عليها أبناؤها وأضاعوها وأضاعوا أنفسهم. غالبيتهم أنكرها تهرّباً من
المسؤولية، وشريحة لا يُستهان بها تعتقد ـ ونتيجة لعدم وجود برامج تأهيل سياسي ـ
ان القضية الآشورية كانت قضية وقتية لا أكثر.
واليوم مها كانت النوايا صادقة، والجهود مكثفة، فستبقى ناقصة وعقيمة، طالما
كان ملف القضية الاشورية مستبعداً. هذا الملف الذي أوصلته تضحيات شعبنا الاشوري
إلى عصبة الامم المتحدة، ومختلف عواصم صنع القرار. بينما الان، أصبح بالكاد يُذكر
هذا الاسم، لا بل أصبح انجازاً ان يقوم مسؤول حكومي بذكر هذا الاسم.
واقع مؤلم نشترك فيه جميعنا، بعضنا بغبائه، وبعضنا باستهتاره، وبعضنا بخوفه
وصمته..لا فرق كثيراً، فأحدنا يكمل دور الآخر. احترفنا فن إضاعة الوقت ولكن إلى
متى...؟
ألا ينذر الوضع المتردي والمذل لواقعنا السياسي، باننا دخلنا مرحلة جداً
مؤثرة وخطيرة؟
ماالذي بقي من الحركة القومية الآشورية التي انطلقت منذ ما يزيد على المائة
عام؟ مجموعة شعارات وقصائد... حتى هذه يتم تشويهها حسب المزاج والتيار.
من منّا لم يعد يرى بأن الغالبية من ابناء شعبنا الآشوري، لم تعد تفقه من
تاريخها سوى بعض العبارات الانتقائية التي تلاءم تركيبتها الطائفية الكنسية.
لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الانحطاط الثقافي ومن المسؤول؟
من الذي يغّذي سياسة الهدم والتخريب؟
بعض الاجابات باتت معروفة للجميع، وخصوصاً ان الكثير ممن تسلق المناصب
القيادية لتمثيل الشعب الاشوري تنطبق عليهم مقولة / ان لم تستح، فافعل ماشئت /.
أما الاجابة الابلغ، فقد جاءت على لسان بطريرك الكنيسة الكلدانية مار
عمانوئيل دلي، حيث فتح ملف لطالما أشرنا إلى ضرورة فتحه ألا وهو ملف الخيانة،
والذي يلقي بظلاله على مسألة، أسهمت هي الاخرى في تحجيمنا وحصرنا في زوايا ضيقة،
وهي مسألة تدخل رجال الدين في السياسة، والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الان من
ضياع.
في البدء لا بد من الاشارة إلى ان ظاهرة احترام رجال الدين في المجتمع
الآشوري المسيحي، هي ظاهرة ايجابية أكثر مما هي سلبية. كما انه لا ضير من ان نذكّر
بأن ظاهرة تدخل رجال الدين في السياسة لم تكن تحمل دائماً ثماراً سلبية، فقد شهد
التاريخ الاشوري المسيحي وبجميع طوائفه، محطات مشرقة، تمكّن فيها الكثير من رجال
الدين من ربط التعاليم المسيحية بالهوية القومية، حيث تم إخراج هذه العلاقة
المجهدة والمعقدة بشكل يصعب الفصل بينهما. ولهذا السبب، لا يزال الوسط الآشوري،
بمختلف أطيافه، الدينية منها والعلمانية، يعتبر تلك الشخصيات، محطات مشرقة ومؤثرة
ينبغي التوقف عندها، ففيها من الدروس والعبر ما يُغني عن تكرار الصلوات
الاوتوماتيكي.
نقطة لابد من ذكرها وهي ان أغلب رجال الدين تحدث عن الوحدة القومية، حتى ان
لم يكونوا قد عملوا لأجلها. وأقلّهم إيماناً بالوحدة، لم يكن ليتجرأ ويعمل ضدّها
جهاراً.
إذاً ماالذي حدث حتى ازدات حدّة اللهجة، لهجة شق الصفوف وبث التفرقة، ومن
الذي يقف وراءها؟
ولماذا يتفوه رجل دين بكلام ـ تناقلته بعض وسائل إعلامنا و تناولته بعض
الاقلام الجادة ـ لا علاقة له بالتعاليم المسيحية، لا من قريب ولا من بعيد؟. يقول
عمانوئيل دلي << كل كلداني يقول انه أشوري فهو خائن، وكل آشوري يقول انه
كلداني فهو خائن >>.
ترددت كثيراً قبل ان أسجل أي تعليق على طقس الخيانة هذا. وتساءلت، هل يستحق
الرد؟ لما لا، وطالما قد فُتح ملف الخيانة، فلنا ان نسجل كلمتنا فيه.
من المعلوم ان عمانوئيل دلي هو الرجل الذي لعب دوراً مؤثراً في استحداث
قومية جديدة عندما
صدر بتاريخ الثالث من أيلول، 2005 ، إعلاناَ عن البطريركية
الكلدانية وقعه تسعة عشر مطراناَ،موجهاَ للحاكم المدني الامريكي في العراق، السيد
بول بريمر، يشكون فيه تجاهل الإدارة المدنية الامريكية لحقوق الكلدان في العراق
وعدم تمثيلهم في مجلس الحكم، وعدم تمثيلهم في الحكومة باسمهم الصريح، ويطالبون
بتمثيلهم في اللجنة المزمع تشكيلها لصياغة الدستور العراقي الجديد، ويدعون بأن
الكلدان هم قومية مستقلة عن الآشوريين.
لن أخوض في رسالة البابا يوحنا بولس السادس التي وجهها إلى
ابناء الكنيسة الكلدانية في العام 1995 والتي يؤكد فيها ان كلدان اليوم هم جزء لا
يتجزأ من الكنيسة الام، كنيسة المشرق.
لن أخوض في التصريحات التي أدلى بها البطريرك الراحل مار
روفائيل بيداويد الذي أكد انه آشوري القومية، فهو أسمى من ان يُقارن ... .
دعونا نختصر ونعود إلى ما قاله عمانوئيل دلي في إطروحته لنيل
درجة الدكتاتورة 1985 ، حيث كتب في بعض أسطرها:
{ ان كلمة الكلدان يظهر انها أطلقت من قبل البابا اوجن
الرابع، 1445 على فئة من المسيحيين القادمين من بلاد ما بين النهرين الموجودين في
جزيرة قبرص ابان مجمع الاتران، وقبل هذا التاريخ كان هناك بطاركة ومطارنة آشوريين
في العالم }
من فمك أدينك! وسؤال المرحلة هو:
لماذا يعمل عمانوئيل دلي ضد وحدة شعبنا الآشوري، أو كما
يسمونها وحدة شعبنا الكلداني الاشوري السرياني ؟
لا شك ان الجواب يكمن لدى عمانوئيل نفسه، والاحتمالات تقول:
ـ إما طلباً لمنصب يمتاز به عن بقية البطاركة، بحيث يكون
القائد الديني الذي فجّر الثورة القومية!
ـ أو تلبية لمطالب وضغوط بعض المتنفذين من أبناء الطائفة
الكلدانية، أصحاب التوجه القومي، والراكضين خلف مناصب قيادية لا أكثر. وتقسيم
الغلة يكون مناصفة.
ـ أو انه وقع ضحية مؤامرة تُحاك ضد الشعب الآشوري من قبل
الكنائس الغربية التي تتوجس من الهوية الآشورية وتاريخها الذي كشف ما تعتقده تلك
الكنائس خطوط حمراء. وان كنت اعتقد ان لدى الفاتيكان أولويات وتحديات أهم من
التآمر على شعب منهك كالشعب الآشوري. وأولها مواجهة المد الانجيلي، والذي سيستفيد
من الغطاء الامريكي، المشبع بإدارة دينية هيستيرية. في كل الاحوال، يجب ان لا يغيب
عن بالنا ان كلا الطرفين لن يدّخّرا أي جهد، ومتى ما سمحت الظروف، من أجل طمس
واغتيال وتشويه التاريخ الذي يؤرّقهم ويقضّ مضاجعهم ويكذّب رواياتهم وتوراتهم.
ـ أو انه تم اختراق الكنيسة الكلدانية من قبل الاحزاب
الكردية، وذلك بعد ما لمس الاكراد ان هناك تناقضاً صارخاً في المسائل الحسّاسة
والمصيرية بين الحركات الآشورية وبين القوميين الجدد / القومية الكلدانية /
ولاسيما ان شعار القوميين الجدد الصبياني والممل هو انهم يشكلون 80 % من مسيحيي
العراق.
وقد تكون هذه العوامل مجتمعة هي التي حدّت به { عمانوئيل دلي
} للمضي في هذه المغامرة القومية. والدليل تزايد حدّة اللهجة، حتى وصولها إلى ما
وصلت إليه، فكيف يتفوه رجل دين بهذا المنصب، بتلك الكلمات عن الخيانة، وهو العارف
ان جميع الفرقاء لا يحبذون فكرة قوميتين على الاطلاق.
هل سأل نفسه، ماذا عن اللغة والتاريخ والتقاليد والموروث
الثقافي والمحيط الجغرافي. لماذا يخون كل هذه الحقائق؟
إذا ما تم ربط مجريات الاحداث بالتحالفات التي تشهدها الساحة
المسيحية ( التسمية الأكثر ترديداً.. وشواذاً ) فهناك خلاصة واحدة يمكن ان نخرج
بها من هذه الفوضى المختلقة، وهي ان الأكراد نجحوا ـ ليس بذكائهم ـ بل ـ
بانهزاميتنا ـ في استمالة أبناء الطائفة الكلدانية إلى صفهم، بزعاماتها الدينية ومتنوريها!
مستفيدين من حالة الامتعاض التي أبدتّها الحركات الآشورية من جرّاء انسلاخ مكون
أصيل وحيوي من صلب الآشورية. بالإضافة إلى حاجة الاكراد إلى الاجندة الكلدانية
الخالية من أي مطالب، وهو ما سيُسهل ويُسرّع تطبيق أجندتهم الانفصالية. ومن يتابع
عناوين بعض المقالات لا اكثر، سيجد ان أغلب العناوين هي إما تمجيد { للمام جلال
كما يسمونه جميعاً } او الاشادة بما يسمى { كردستان } وهي حملة اعلامية غير عبثية
على الاطلاق، فحواها ان الكلدان اختاروا صداقة الاكراد.
لا شك ان المرحلة حرجة وبكل انحناءاتها. والجسم الآشوري لن
يتحمل المزيد من الصدمات.
وإذا كان البعض لا يريد ان يكون آشورياً، فتلك خسارة ولهم أولاً. ولكنهم لن يكونوا
أغلى من قوافل الشهداء الذين
قدّمهم شعب التضحيات والآلام. أما إذا أراد البعض ان يعمل ضد طموحات وآمال الشعب الآشوري،
واضعاً نفسه تحت خدمة المخططات الغريبة، من أجل مصالح شخصية بحتة، فإن ذلك يستدعي
وعلى الفور، دخول كل القوى الآشورية وبدون استثناء، في حوار هادئ، بعيد عن
العصبية، من أجل الخروج بقرار سياسي يمنع السيناريوهات القادمة، والتي لم تعد
تحتاج إلى منجمين لكشف خفاياها.والتقليل من الخسائر قد لا يكون انجازاً بحد ذاته،
لكنه سيكون أفضل الممكن في حالنا هذا، والإسراع قدر المستطاع سيحفظ ما بقي من
الهوية الآشورية. وإذا لم نسجل جميعنا بأن ما يجري هو مؤامرة وخيانة، فكلنا خونة
وبامتياز.
| الحركة الديمقراطية الآشورية - التيار الوطني |
| ^ العودة إلى اعلى الصفحة |